محمد بن وليد الطرطوشي
210
سراج الملوك
الباب الرابع والعشرون في الوزراء وصفاتهم ، والجلساء وآدابهم قال اللّه تعالى في قصّة موسى عليه السلام : وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي [ طه : 29 ] ، فلو كان السلطان يستغني عن الوزراء ، لكان أحق الناس بذلك كليم اللّه موسى بن عمران . ثم ذكر حكمة الوزارة ، فقال : اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي . وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [ طه : 31 ، 32 ] ، دلت الآية على أن موضع الوزارة ، أن تشدّ قواعد المملكة ، وأن يفضي إليه السلطان بعجزه ، ويجزه إذا استكملت فيه الخلال المحمودة . ثم قال : كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً . وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً [ طه : 33 ، 34 ] ، دلّت هذه الكلمات على أن : بصحبة العلماء والصالحين وأهل الخبرة والمعرفة ، تنتظم أمور الدنيا وأمور الآخرة ، وكما أن أشجع الناس يحتاج إلى السلاح ، وأفره الخيل « 1 » إلى السوط ، وأحدّ الشّفار إلى المسن ، كذلك يحتاج أجلّ الملوك وأعظمهم وأعلمهم إلى الوزير . وروى أبو سعيد الخدري قال : ما بعث اللّه نبيّا ولا استخلف خليفة إلا كانت له بطانتان ، بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه عليه ، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه ، والمعصوم من عصمه اللّه تعالى . وإنما اشتقّت الوزارة من الوزر وهو الثّقل ، يريد أنه : يحمل من أمر المملكة وأعبائها وأثقالها مثل الأوزار . أسعد الملوك : من له وزير صدق ، إن نسي ذكّره ، وإن ذكر أعانه . وقال وهب بن منبه « 2 » : قال موسى عليه السلام لفرعون : آمن ولك الجنة ولك ملكك ، قال : حتى أشاور هامان « 3 » ، فشاوره في ذلك ، فقال : ( بينما أنت إله تعبد إذ صرت تعبد ) فأنف واستكبر وكان من أمره ما كان .
--> ( 1 ) أفره الخيل : أمهرها وأجودها . ( 2 ) وهب بن منبه : مؤرخ من التابعين ، اشتهر بمعرفة أخبار الأقدمين والأنبياء ، ولد بصنعاء اليمن ومات فيها سنة 114 ه . وقد سبقت ترجمته . ( 3 ) هامان : وزير فرعون ، ورد ذكره في القرآن الكريم .